المقدِّمة
لقد كان عام 2010 عام تضامن، حيث حفل بأعمال جليلة في مجالات سيكون لها أثر عميق على المدى الطويل.
فمن بين المجالات الرئيسية نخص بالذكر تمنيع الأطفال؛ حيث شهد عام 2010 إطلاق الأسبوع السنوي الأول للتمنيع في شهر إبريل/نيسان؛ وفيه ساهمت جميع البلدان مساهمةً فعَّالة. وقد كان الالتزام والحماس في نشر الرسالة بأن التمنيع يظل واحداً من أكثر الأدوات مردودية لقاء التكاليف في الصحة العمومية، أمراً مشجعاً ومثلجاً للصدر. أما ما تم تحقيقه من رفع لمستوى الوعي في هذه الحملة السنوية فسوف يعزِّز بالتأكيد برامج التمنيع الوطنية، وسيكون له أثر طويل الأمد على بُقْيا الأطفال وعلى صحتهم في الإقليم.
وقد شهدت أمراض أخرى، مثل شلل الأطفال، تحقق مكاسب ومواجهة نكسات. فالسودان التحق بقائمة البلدان الخالية من شلل الأطفال والتي تضم 19 بلداً، ليبقى شلل الأطفال محصوراً في أفغانستان وباكستان. وحتى في أفغانستان، فإن شلل الأطفال تم احتواؤه ضمن منطقة محلية في الجنوب. ومع ذلك، ورغم الجهود الضخمة التي بذلتها الحكومة، والدعم الذي قدّمته منظمة الصحة العالمية وشركاؤها، فلايزال الطريق نحو الوصول المضمون الاستمرار إلى الأطفال في جنوب أفغانستان مبهَم المعالم في حملات التمنيع. أما في باكستان، حيث توجد صعوبات مماثلة للصعوبات المصادفة في أفغانستان من حيث الوصول إلى الأطفال، فإن تلك الصعوبات تتواصل لتعيق جهود مكافحة شلل الأطفال في المناطق الحدودية مع أفغانستان. وقد تصدَّت الحكومة للقضايا الإدارية والقضايا المتعلقة بأداء البرامج في المناطق الأخرى من باكستان، وهي القضايا التي ذكر اُهت في تقريري في السنة المنصرمة. فقد أعلن فخامة الرئيس الباكستاني حالة الطوارئ، إلا أن خطة العمل التي تلت ذلك لاتزال بانتظار التنفيذ على نحوٍ يبعث على الرضا ويضمن الاستمرار على المستوى المحيطي، بُغْيَة تحقيق النجاح الشامل لهذه الخطة. أما الوضع في الصومال فيبعث على القلق العميق نتيجة استمرار تعذر الوصول إلى مناطق شاسعة من الصومال في الجنوب وفي المركز طوال السنتين الماضيتين. ويواجه الإقليم تهديداً متواصلاً من المجموعات السكانية المهاجرة إليه من بلدان القرن الأفريقي، وهي مجموعات دائمة التنقُّل وتعاني من تد الخدمات الصحية التي تُقدَّم إليها، ويتواصَل عبرها دخول فيروس شلل الأطفال من البلدان المجاورة المتأثرة به. هذا وقد أدخَل البرنامج الإقليمي أدوات وأساليب متعددة لضمان الجودة، ومنها استخدام الترصُّد البيئي، والرصد المستقل، وضمان جودة تشغيلات اللقاحات. وسيبقى استئصال شلل الأطفال عملاً غير مكتمل في الإقليم حتى يتم الإعلان عن الحالة الأخيرة منه، ويتوجَّب علينا أن نواصل التحلِّي باليقظة وبالالتزام.
وقد أحرزنا مكاسب أيضاً في مجال الحصبة، كما واجهنا صعوبات فيه. فقد انخفض معدل الوفيات الناجمة عن الحصبة بمقدار 93 % منذ عام 2000 ، إلا أن التحدِّيات لاتزال قائمة، وينبغي التغلُّب عليها قبل ادِّعاء التخلُّص من الحصبة، وتجعل هذه التحدِّيات من الضروري إعادة النظر في هدف التخلُّص من الحصبة بحلول عام 2010 ليصبح بحلول عام 2015 . ولايزال معدل التغطية بالتطعيم الروتيني في بلدان متعدِّدة أقل من المعدّل المطلوب وهو 95 %، كما أن هناك فاشيات تحدث في أفغانستان وباكستان.
وعلى جانب آخر، فإن الأمراض التي يمكن توقّيها بالتمنيع باللقاحات مسؤولة عن ما يزيد على 20 % من وفيات الأطفال دون سن الخامسة، مما يجعل من الارتقاء بتطعيم الأطفال باللقاحات استراتيجية رئيسية لبلوغ المرمى الرابع من المرامي الإنمائية للألفية، نظراً لأن وفيات الأطفال دون سن الخامسة قد انخفضت على الصعيد الإقليمي بمقدار %30 عما كانت عليه عام 1990 . وقد تجاوزت ثلاثة بلدان، وهي مصر ولبنان وعُمان، هذا الهدف، وتواصل ستة بلدان أخرى سيرها على الطريق الصحيح لبلوغ هذا الهدف. غير أن الإقليم لايزال يعاني من معدّل وفيات الأمهات ليكون الثاني بين أقاليم المنظمة، إذ يصل إلى 360 من وفيات الأمهات لكل مئة ألف مولود حي؛ وهو يمثِّل انخفاضاً لايزيد على 30 % عما كان عليه عام 1990 . وإذا ما استندنا على الاتجاه السائد حالياً، فإن الإقليم بمجمله وفق ما هو متوقَّع سيبقى قاصراً عن بلوغ المرمى الرابع والخامس من المرامي الإنمائية للألفية، وهما المرميان اللذان يتعلقان بخفض وفيات الأطفال دون سن الخامسة، وخفض وفيات الأمهات. وتقف أمام تحقيق الأهداف المتوخّاة تحديات عديدة، منها الالتزام السياسي غير الكافي، وعدم إتاحة خدمات الرعاية الصحية الأولية الرفيعة الجودة، كما تعتبر نُظُم المعلومات الصحية من التحديات الأخرى، لأن نقص المعلومات من جهة يجعل تقييم مدى التقدُّم المحرز نحو تحقيق الأهداف الصحية، مثل المرامي الإنمائية للألفية، أمراً صعباً، كما أنه من جهة أخرى يجعل اتخاذ القرارات المسترشدة بالبيِّنات أمراً لا يقل صعوبة.
وقد حاز بَلَدان في الإقليم، وهما الإمارات العربية المتحدة والمغرب في عام 2010 ، على الإشهاد على الخلوّ من الملاريا، بينما تسعى البلدان الأخرى في الإقليم للحصول على هذا الإشهاد، كما أن من المتوقع الإشهاد على خلو الجزيرة العربية بكاملها من الملاريا؛ إلا أن التحدّيات التي تواجه التخلّص من الملاريا في الإقليم بمجمله لاتزال مدعاة للاهتمام، ومن التحدّيات الرئيسية نَجِد انعدام الأمن، وتنقُّل المجموعات السكانية، وضعف الترصُّد، وضعف نُظُم التشخيص في البلدان التي تتوطّن الملاريا فيها، إلى جانب انتشار المقاومة لمبيدات الحشرات، وللأدوية الرئيسية المضادة للملاريا، ولاسيّما الأرتيميسينين.
وحدثت فاشيات حمّى الضنك في بلدان عدة في الإقليم، ولاسيّما البلدان الواقعة على شواطئ البحر الأحمر، وبحر العرب، وباكستان. وحمى الضنك من الأمراض التي عاودت الظهور في الإقليم حتى توطّدت، وتوجب علينا التعامل معها. ولقد أظهرت البلدان المتأثرة بحمى الضنك درجة رفيعة من الالتزام في الإبلاغ عن الفاشيات، وفي اتخاذ ما يلزم من الإجراءات المطلوبة. ولا يسعنا إلا أن نثني على هذه الشفافية التي ستفضي إلى قدرٍ أكبر من التعاون والتنسيق والشراكات. ولئن كانت الوسائل التي ينبغي اتباعها للوقاية من حمى الضنك وحمى الضنك النزفية ومكافحتهما معروفة، فإن حمى الضنك ليست من الأمراض التي يمكن أن تنفرد السلطات الصحية لوحدها بمكافحتها، فهناك قطاعات أخرى ينبغي أن تساهم في ذلك تحت قيادة وزارة الصحة، إلى جانب البلديات والمجتمعات المحلية.
وقد أوضحت الأعوام المنصرمة الأهمية المتزايدة للأمراض غير السارية المزمنة في الإقليم. فهذه الأمراض تمثل معظم عبء الأمراض في الإقليم، وتزيد على 60 % منه، وتؤثر تأثيراً ضخماً على جودة الحياة، كما أنها تؤثر تأثيراً طويل الأمد على التمويل الصحي الوطني، وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وعلى دخل الأسرة؛ وهي على الرغم من ذلك كله، يمكن الوقاية منها إلى حدٍ كبير، فإذا اكتُشفت في وقت مبكر يصبح بالإمكان مكافحتها لدى كل مريض على حدة. وهناك بيِّنات واضحة على مدى فعّالية التدخلات التي استهدفت خفض عبء هذه الأمراض لقاء التكاليف، مما جعل تلك التدخلات ضمن أفضل الممارسات في العالم. ولا يوجد ما يبرِّر عدم تنفيذ برامج قوية للوقاية تعمل على رفع مستوى الوعي لدى الناس، وتركّز على أنماط الحياة الصحية، وعلى الإقلاع عن التدخين وعلى ممارسة النشاط البدني، وعلى النظم الغذائية المتوازنة، وعلى إجراء فحوص صحية دورية منتظمة. وفي سياق مسيرة البلدان نحو المزيد من إتاحة المعالجة والوقاية والتحرّي على النحو الملائم، ضمن نظامٍ يستند إلى الرعاية الصحية الأولية، فإن تلك الإتاحة تبقى في عداد التحدّيات، ومن الضروري إيلاؤها المزيد من الاهتمام. وتقدِّم الاستراتيجية العالمية وخطة العمل الإقليمية توجيهات واضحة للبلدان في هذا السياق.
ولا يوجد لدينا الكثير من المعلومات الجيدة حول صحة البيئة في الإقليم؛ بل إن إهمال البيئة يُعَدُّ مسؤولاً عما يقرب من 24 % من عبء المرض في الإقليم، إذا أخذنا بالحسبان التلوث، وسوء تدبير النفايات، ونقص المياه ونضوبها، والازدحام. ومن المتوقع أن يزيد عبء المرض إذا لم يعط للآثار الناجمة عن التغير المناخي ما تستحقه من اهتمام في التخطيط الصحي. فالبيئة لا تتسنَّم موقعاً رفيعاً في جداول الأعمال الوطنية في الإقليم، ونحن نلحظ نتيجة ذلك حولنا كل يوم، في أي مكانٍ نكون فيه. كما أن الآثار المترتبة على ذلك على صحة الناس، وعلى التنمية، وعلى التنمية الوطنية لم تحظ أيضاً بالقدر الكافي من الاهتمام. فلايزال ثلث بُلدان الإقليم غير قادر على توفير إتاحة مضمونة الاستمرار للماء الآمن وللإصحاح لما يزيد على 90 % من السكان، في الوقت الذي يشكل فيه طرح النفايات المنزلية والصناعية ومخلفات الرعاية الصحية على نحوٍ غير ملائم تهديداً يؤثر على جميع الناس؛ ولاسيّما الفقراء والمستضعفين منهم، وصغار الشباب وكبار السن. وذلك أمر ينبغي على الحكومات أن تولية المزيد من العناية والاهتمام.
لقد كان نشر التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010 : تمويل النُظُم الصحية: الطريق إلى تغطية شاملة، مع مصادقة اللجنة الإقليمية السابعة والخمسين على قرار حول تمويل الرعاية الصحية، حدثين هامَّين. فرغم الأزمة المالية العالمية، انصاعت البلدان للحاجة إلى الاستمرار في تقديم الدعم للصحة وللتعليم. وتقدِّم التوجّهات الاستراتيجية التي صادقت عليها اللجنة الإقليمية توجيهات واضحة للتقدّم في هذا السياق. وينبغي على أصحاب القرار السياسي اتخاذ الإجراءات اللازمة لخفض نصيب الفرد من الإنفاق الصحي المباشر من الجيب، وفي الوقت نفسه، ينبغي عليهم تحسين الكفاءات في إيتاء خدمات النُظُم الصحية.
وعلى صعيد آخر، فقد تم الافتتاح الرسمي لمقرٍّ جديد لمكتب المنظمة في تونس، يستضيف مكتب ممثل المنظمة والمركز المتوسطي لتخفيف المخاطر الصحية التابع للمنظمة أيضاً. وأَوَدُّ أن أتقدَّم بالشكر والامتنان إلى الحكومة التونسية على ما قدّمته من دعم طوال فترة تنفيذ هذا المشروع. كما يتواصل العمل في بناء أول مبنى «أخضر » حقيقي في إقليمنا، وهو المبنى الذي سيستضيف مركز أنشطة صحة البيئة التابع لمنظمة الصحة العالمية إلى جانب مكتب ممثل المنظمة في الأردن. ومما يزيد من أهمية هذا الأمر أنني آمل أن يقدم هذا المبنى مثالاً على تصميم المباني الخضراء في الإقليم، وذلك نظراً لبدء الشعور بتأثير التغير المناخي فعلياً في الإقليم، مع الأخذ بالحسبان البيئة المحلية، والاحتياجات المتزايدة للمحافظة على الطاقة وعلى المياه، وللحاجة إلى خفض ما لدينا من «بصمة كربونية ». وأَوَدُّ في هذا السياق أن أتقدّم بوافر الشكر والامتنان للحكومة الأردنية على ما قدّمته من دعم لهذا المشروع، إذ قدَّمت الأرض وتبرعت بإسهامات مالية أيضاً. كما لا يفوتني أن أتقدّم بالشكر والامتنان إلى سلطنة عُمان التي قدَّمت لمكتب ممثل منظمة الصحة العالمية فيها بناءً جديداً عام 2010 . فالدعم الذي تقدّمه الدول الأعضاء لعمل منظمة الصحة العالمية في الإقليم يعود بالنفع على كل بلدٍ من البلدان على حدة كما يعود بالنفع على الإقليم بمجمله.
وإذا ما تطلعنا إلى الآفاق الرحبة في الإقليم فإننا سنستشف قدراً كبيراً من التغييرات التي تتوطد فيه على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد أصبحنا في وقت يحفل بالكثير من الآمال وببعض المخاوف. ومادامت حقوق الإنسان الشاملة، والتي تتضمَّن الحق في الصحة والتعليم لجميع الناس، هدفاً رئيسياً، ومادامت قيمنا الإنسانية الرئيسية في الكرامة والتعاطف والتسامح والاحترام المتبادل، موضع احترام وتقدير، فإن لدينا بارقة أمل تلوح في الأفق. والله من وراء القصد.
المقدِّمة
لقد كان عام 2010 عام تضامن، حيث حفل بأعمال جليلة في مجالات سيكون لها أثر عميق على المدى الطويل.
فمن بين المجالات الرئيسية نخص بالذكر تمنيع الأطفال؛ حيث شهد عام 2010 إطلاق الأسبوع السنوي الأول للتمنيع في شهر إبريل/نيسان؛ وفيه ساهمت جميع البلدان مساهمةً فعَّالة. وقد كان الالتزام والحماس في نشر الرسالة بأن التمنيع يظل واحداً من أكثر الأدوات مردودية لقاء التكاليف في الصحة العمومية، أمراً مشجعاً ومثلجاً للصدر. أما ما تم تحقيقه من رفع لمستوى الوعي في هذه الحملة السنوية فسوف يعزِّز بالتأكيد برامج التمنيع الوطنية، وسيكون له أثر طويل الأمد على بُقْيا الأطفال وعلى صحتهم في الإقليم.
وقد شهدت أمراض أخرى، مثل شلل الأطفال، تحقق مكاسب ومواجهة نكسات. فالسودان التحق بقائمة البلدان الخالية من شلل الأطفال والتي تضم 19 بلداً، ليبقى شلل الأطفال محصوراً في أفغانستان وباكستان. وحتى في أفغانستان، فإن شلل الأطفال تم احتواؤه ضمن منطقة محلية في الجنوب. ومع ذلك، ورغم الجهود الضخمة التي بذلتها الحكومة، والدعم الذي قدّمته منظمة الصحة العالمية وشركاؤها، فلايزال الطريق نحو الوصول المضمون الاستمرار إلى الأطفال في جنوب أفغانستان مبهَم المعالم في حملات التمنيع. أما في باكستان، حيث توجد صعوبات مماثلة للصعوبات المصادفة في أفغانستان من حيث الوصول إلى الأطفال، فإن تلك الصعوبات تتواصل لتعيق جهود مكافحة شلل الأطفال في المناطق الحدودية مع أفغانستان. وقد تصدَّت الحكومة للقضايا الإدارية والقضايا المتعلقة بأداء البرامج في المناطق الأخرى من باكستان، وهي القضايا التي ذكر اُهت في تقريري في السنة المنصرمة. فقد أعلن فخامة الرئيس الباكستاني حالة الطوارئ، إلا أن خطة العمل التي تلت ذلك لاتزال بانتظار التنفيذ على نحوٍ يبعث على الرضا ويضمن الاستمرار على المستوى المحيطي، بُغْيَة تحقيق النجاح الشامل لهذه الخطة. أما الوضع في الصومال فيبعث على القلق العميق نتيجة استمرار تعذر الوصول إلى مناطق شاسعة من الصومال في الجنوب وفي المركز طوال السنتين الماضيتين. ويواجه الإقليم تهديداً متواصلاً من المجموعات السكانية المهاجرة إليه من بلدان القرن الأفريقي، وهي مجموعات دائمة التنقُّل وتعاني من تد الخدمات الصحية التي تُقدَّم إليها، ويتواصَل عبرها دخول فيروس شلل الأطفال من البلدان المجاورة المتأثرة به. هذا وقد أدخَل البرنامج الإقليمي أدوات وأساليب متعددة لضمان الجودة، ومنها استخدام الترصُّد البيئي، والرصد المستقل، وضمان جودة تشغيلات اللقاحات. وسيبقى استئصال شلل الأطفال عملاً غير مكتمل في الإقليم حتى يتم الإعلان عن الحالة الأخيرة منه، ويتوجَّب علينا أن نواصل التحلِّي باليقظة وبالالتزام.
وقد أحرزنا مكاسب أيضاً في مجال الحصبة، كما واجهنا صعوبات فيه. فقد انخفض معدل الوفيات الناجمة عن الحصبة بمقدار 93 % منذ عام 2000 ، إلا أن التحدِّيات لاتزال قائمة، وينبغي التغلُّب عليها قبل ادِّعاء التخلُّص من الحصبة، وتجعل هذه التحدِّيات من الضروري إعادة النظر في هدف التخلُّص من الحصبة بحلول عام 2010 ليصبح بحلول عام 2015 . ولايزال معدل التغطية بالتطعيم الروتيني في بلدان متعدِّدة أقل من المعدّل المطلوب وهو 95 %، كما أن هناك فاشيات تحدث في أفغانستان وباكستان.
وعلى جانب آخر، فإن الأمراض التي يمكن توقّيها بالتمنيع باللقاحات مسؤولة عن ما يزيد على 20 % من وفيات الأطفال دون سن الخامسة، مما يجعل من الارتقاء بتطعيم الأطفال باللقاحات استراتيجية رئيسية لبلوغ المرمى الرابع من المرامي الإنمائية للألفية، نظراً لأن وفيات الأطفال دون سن الخامسة قد انخفضت على الصعيد الإقليمي بمقدار %30 عما كانت عليه عام 1990 . وقد تجاوزت ثلاثة بلدان، وهي مصر ولبنان وعُمان، هذا الهدف، وتواصل ستة بلدان أخرى سيرها على الطريق الصحيح لبلوغ هذا الهدف. غير أن الإقليم لايزال يعاني من معدّل وفيات الأمهات ليكون الثاني بين أقاليم المنظمة، إذ يصل إلى 360 من وفيات الأمهات لكل مئة ألف مولود حي؛ وهو يمثِّل انخفاضاً لايزيد على 30 % عما كان عليه عام 1990 . وإذا ما استندنا على الاتجاه السائد حالياً، فإن الإقليم بمجمله وفق ما هو متوقَّع سيبقى قاصراً عن بلوغ المرمى الرابع والخامس من المرامي الإنمائية للألفية، وهما المرميان اللذان يتعلقان بخفض وفيات الأطفال دون سن الخامسة، وخفض وفيات الأمهات. وتقف أمام تحقيق الأهداف المتوخّاة تحديات عديدة، منها الالتزام السياسي غير الكافي، وعدم إتاحة خدمات الرعاية الصحية الأولية الرفيعة الجودة، كما تعتبر نُظُم المعلومات الصحية من التحديات الأخرى، لأن نقص المعلومات من جهة يجعل تقييم مدى التقدُّم المحرز نحو تحقيق الأهداف الصحية، مثل المرامي الإنمائية للألفية، أمراً صعباً، كما أنه من جهة أخرى يجعل اتخاذ القرارات المسترشدة بالبيِّنات أمراً لا يقل صعوبة.
وقد حاز بَلَدان في الإقليم، وهما الإمارات العربية المتحدة والمغرب في عام 2010 ، على الإشهاد على الخلوّ من الملاريا، بينما تسعى البلدان الأخرى في الإقليم للحصول على هذا الإشهاد، كما أن من المتوقع الإشهاد على خلو الجزيرة العربية بكاملها من الملاريا؛ إلا أن التحدّيات التي تواجه التخلّص من الملاريا في الإقليم بمجمله لاتزال مدعاة للاهتمام، ومن التحدّيات الرئيسية نَجِد انعدام الأمن، وتنقُّل المجموعات السكانية، وضعف الترصُّد، وضعف نُظُم التشخيص في البلدان التي تتوطّن الملاريا فيها، إلى جانب انتشار المقاومة لمبيدات الحشرات، وللأدوية الرئيسية المضادة للملاريا، ولاسيّما الأرتيميسينين.
وحدثت فاشيات حمّى الضنك في بلدان عدة في الإقليم، ولاسيّما البلدان الواقعة على شواطئ البحر الأحمر، وبحر العرب، وباكستان. وحمى الضنك من الأمراض التي عاودت الظهور في الإقليم حتى توطّدت، وتوجب علينا التعامل معها. ولقد أظهرت البلدان المتأثرة بحمى الضنك درجة رفيعة من الالتزام في الإبلاغ عن الفاشيات، وفي اتخاذ ما يلزم من الإجراءات المطلوبة. ولا يسعنا إلا أن نثني على هذه الشفافية التي ستفضي إلى قدرٍ أكبر من التعاون والتنسيق والشراكات. ولئن كانت الوسائل التي ينبغي اتباعها للوقاية من حمى الضنك وحمى الضنك النزفية ومكافحتهما معروفة، فإن حمى الضنك ليست من الأمراض التي يمكن أن تنفرد السلطات الصحية لوحدها بمكافحتها، فهناك قطاعات أخرى ينبغي أن تساهم في ذلك تحت قيادة وزارة الصحة، إلى جانب البلديات والمجتمعات المحلية.
وقد أوضحت الأعوام المنصرمة الأهمية المتزايدة للأمراض غير السارية المزمنة في الإقليم. فهذه الأمراض تمثل معظم عبء الأمراض في الإقليم، وتزيد على 60 % منه، وتؤثر تأثيراً ضخماً على جودة الحياة، كما أنها تؤثر تأثيراً طويل الأمد على التمويل الصحي الوطني، وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وعلى دخل الأسرة؛ وهي على الرغم من ذلك كله، يمكن الوقاية منها إلى حدٍ كبير، فإذا اكتُشفت في وقت مبكر يصبح بالإمكان مكافحتها لدى كل مريض على حدة. وهناك بيِّنات واضحة على مدى فعّالية التدخلات التي استهدفت خفض عبء هذه الأمراض لقاء التكاليف، مما جعل تلك التدخلات ضمن أفضل الممارسات في العالم. ولا يوجد ما يبرِّر عدم تنفيذ برامج قوية للوقاية تعمل على رفع مستوى الوعي لدى الناس، وتركّز على أنماط الحياة الصحية، وعلى الإقلاع عن التدخين وعلى ممارسة النشاط البدني، وعلى النظم الغذائية المتوازنة، وعلى إجراء فحوص صحية دورية منتظمة. وفي سياق مسيرة البلدان نحو المزيد من إتاحة المعالجة والوقاية والتحرّي على النحو الملائم، ضمن نظامٍ يستند إلى الرعاية الصحية الأولية، فإن تلك الإتاحة تبقى في عداد التحدّيات، ومن الضروري إيلاؤها المزيد من الاهتمام. وتقدِّم الاستراتيجية العالمية وخطة العمل الإقليمية توجيهات واضحة للبلدان في هذا السياق.
ولا يوجد لدينا الكثير من المعلومات الجيدة حول صحة البيئة في الإقليم؛ بل إن إهمال البيئة يُعَدُّ مسؤولاً عما يقرب من 24 % من عبء المرض في الإقليم، إذا أخذنا بالحسبان التلوث، وسوء تدبير النفايات، ونقص المياه ونضوبها، والازدحام. ومن المتوقع أن يزيد عبء المرض إذا لم يعط للآثار الناجمة عن التغير المناخي ما تستحقه من اهتمام في التخطيط الصحي. فالبيئة لا تتسنَّم موقعاً رفيعاً في جداول الأعمال الوطنية في الإقليم، ونحن نلحظ نتيجة ذلك حولنا كل يوم، في أي مكانٍ نكون فيه. كما أن الآثار المترتبة على ذلك على صحة الناس، وعلى التنمية، وعلى التنمية الوطنية لم تحظ أيضاً بالقدر الكافي من الاهتمام. فلايزال ثلث بُلدان الإقليم غير قادر على توفير إتاحة مضمونة الاستمرار للماء الآمن وللإصحاح لما يزيد على 90 % من السكان، في الوقت الذي يشكل فيه طرح النفايات المنزلية والصناعية ومخلفات الرعاية الصحية على نحوٍ غير ملائم تهديداً يؤثر على جميع الناس؛ ولاسيّما الفقراء والمستضعفين منهم، وصغار الشباب وكبار السن. وذلك أمر ينبغي على الحكومات أن تولية المزيد من العناية والاهتمام.
لقد كان نشر التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010 : تمويل النُظُم الصحية: الطريق إلى تغطية شاملة، مع مصادقة اللجنة الإقليمية السابعة والخمسين على قرار حول تمويل الرعاية الصحية، حدثين هامَّين. فرغم الأزمة المالية العالمية، انصاعت البلدان للحاجة إلى الاستمرار في تقديم الدعم للصحة وللتعليم. وتقدِّم التوجّهات الاستراتيجية التي صادقت عليها اللجنة الإقليمية توجيهات واضحة للتقدّم في هذا السياق. وينبغي على أصحاب القرار السياسي اتخاذ الإجراءات اللازمة لخفض نصيب الفرد من الإنفاق الصحي المباشر من الجيب، وفي الوقت نفسه، ينبغي عليهم تحسين الكفاءات في إيتاء خدمات النُظُم الصحية.
وعلى صعيد آخر، فقد تم الافتتاح الرسمي لمقرٍّ جديد لمكتب المنظمة في تونس، يستضيف مكتب ممثل المنظمة والمركز المتوسطي لتخفيف المخاطر الصحية التابع للمنظمة أيضاً. وأَوَدُّ أن أتقدَّم بالشكر والامتنان إلى الحكومة التونسية على ما قدّمته من دعم طوال فترة تنفيذ هذا المشروع. كما يتواصل العمل في بناء أول مبنى «أخضر » حقيقي في إقليمنا، وهو المبنى الذي سيستضيف مركز أنشطة صحة البيئة التابع لمنظمة الصحة العالمية إلى جانب مكتب ممثل المنظمة في الأردن. ومما يزيد من أهمية هذا الأمر أنني آمل أن يقدم هذا المبنى مثالاً على تصميم المباني الخضراء في الإقليم، وذلك نظراً لبدء الشعور بتأثير التغير المناخي فعلياً في الإقليم، مع الأخذ بالحسبان البيئة المحلية، والاحتياجات المتزايدة للمحافظة على الطاقة وعلى المياه، وللحاجة إلى خفض ما لدينا من «بصمة كربونية ». وأَوَدُّ في هذا السياق أن أتقدّم بوافر الشكر والامتنان للحكومة الأردنية على ما قدّمته من دعم لهذا المشروع، إذ قدَّمت الأرض وتبرعت بإسهامات مالية أيضاً. كما لا يفوتني أن أتقدّم بالشكر والامتنان إلى سلطنة عُمان التي قدَّمت لمكتب ممثل منظمة الصحة العالمية فيها بناءً جديداً عام 2010 . فالدعم الذي تقدّمه الدول الأعضاء لعمل منظمة الصحة العالمية في الإقليم يعود بالنفع على كل بلدٍ من البلدان على حدة كما يعود بالنفع على الإقليم بمجمله.
وإذا ما تطلعنا إلى الآفاق الرحبة في الإقليم فإننا سنستشف قدراً كبيراً من التغييرات التي تتوطد فيه على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد أصبحنا في وقت يحفل بالكثير من الآمال وببعض المخاوف. ومادامت حقوق الإنسان الشاملة، والتي تتضمَّن الحق في الصحة والتعليم لجميع الناس، هدفاً رئيسياً، ومادامت قيمنا الإنسانية الرئيسية في الكرامة والتعاطف والتسامح والاحترام المتبادل، موضع احترام وتقدير، فإن لدينا بارقة أمل تلوح في الأفق. والله من وراء القصد.