جائحة الإنفلونزا .. هل تلوح بالأفق؟
القاهرة: اختـتمت مؤخراً منظمة الصحة العالمية اجتماعاً عُقـد على مدى ثلاثة أيام (من 13 إلى 15 شباط/فبراير 2007) ضمَّ خبراء عالميـِّين، ركَّزوا خلالـه على الاتصالات أثناء وقوع جائحة للإنفلونزا البشرية. وقد افتـتح الاجتماع كل من الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة والسكان المصري، والدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط.
وقد حضر هذا الاجتماع عدد يربو على المئة مشارِك يمثـِّلون أكثر من خمسين دولة، إضافةً إلى عدد من منظمات الأمم المتحدة الأخرى، وغيرها.
وقد اختيرت القاهرة مقراً لهذا الاجتماع في ضوء ما أظهرته من التـزام بالشفافية في إعلام الشعب المصري والعالم، بحالات الإصابة البشرية بإنفلونزا الطيور.
(( لقد أرست مصر المعيار الخاص بالشفافية ))، ذكر ذلك ديك تومسون، رئيس مجموعة منظمة الصحة العالمية المعنيَّة بالاتصالات عند تفشِّي الجائحات، وأحد مسؤولي تنظيم الاجتماع. واستطرد قائلاً (( إن اللقاحات سوف تشح ويتأخر وصولها عند وقوع الجائحة، كما سيكون هناك نقص في مضادات الفيروسات في كل مكان، وستمثـِّل المعلومات الصحية الرسمية الموثوقة الأداة الأقوى في مجال الصحة العمومية. ورغم أنه ما من أحد يستطيع معرفة موعد وقوع الجائحة، إلا أن جميعنا يعرف أن الاستعداد من شأنه أن يقلل من الأضرار التي يمكن أن تنجم عن الجائحة، وإن ما تقوم به مصر الآن هو بمثابة بناء صرح من الثقة قد تدعو الحاجة إليه إذا ما وقعت الجائحة، لا قدر الله )).
وقد تـركَّزت المناقشات والمداولات في هذا الاجتماع على جوانب التعبئة الاجتماعية، وبث المعلومات والرسائل قبل حدوث الجائحة وبعدها، إضافةً إلى الربط بالشبكات بين الأطراف المعنيَّة.
وشدد معظم المشاركين في الاجتماع على أهمية دور التعبئة الاجتماعية بوصفه واحداً من العناصر الحاسمة في إطار الاستعداد الفعَّال لمواجهة جائحة الإنفلونزا والتصدي لها. وقد اتُّفق على أن وضع المخطَّطات وتبنِّي السلوكيات الصحيحة أثناء الجائحة وبعد وقوعها من شأنه أن يخفف من الإصابات المرضية والوفيات، وكذلك من الخلل الاجتماعي والاقتصادي.
وبُغْيَةَ تمكين البلدان من وضع استـراتيجيات التعبئة الاجتماعية، اتفق المشاركون على ضرورة مراجعة الأدوات الحالية لتقيـيم جوانب التعبئة الاجتماعية، والتي يمكن للبلدان استخدامها لإجراء تحليلات للثغرات الموجودة. ومن شأن هذه التحليلات، لدى اكتمالها، أن تعين على التعرُّف على الموارد المطلوبة لإعداد وتنفيذ حملات التعبئة الاجتماعية على الصعيدَيْن القُطري والمجتمعي. كما سيتم، خلال العام المقبل، الإعداد لإطار عمل للتعبئة الاجتماعية، والذي سيتضمَّن المبادئ الإرشادية والقوائم التفقُّدية، والإرشاد النوعي للتدخلات السلوكية الصحيحة.
وكانت الجوانب الخاصة ببث الرسائل والتسميات من بين القضايا الحاسمة التي نوقشت في هذا الاجتماع الدولي الثاني المعني بالاتصالات أثناء وقوع جائحة الإنفلونزا، حيث اعتُبر هذا الموضوع من الموضوعات الأساسية بالنظر إلى أن حدثاً عالمياً طارئاً مثل الجائحة، من شأنه أن يثير العديد من التساؤلات والاعتبارات التي تطرح كلها في وقت واحد، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الارتباك.
وعلى ذلك، فسوف تدعو الحاجة إلى قيام السلطات الصحية، وغيرها، بالتعامل مع مثل هذه المواقف من خلال نشر رسائل معلومات تـتسم بالاتساق والثبات، مما يعين مسؤولي الصحة العمومية على التعامل مع الأوضاع التي يكتنفها الغموض، وتجنُّب الارتباك، والاستمرار في كسب ثقة الجمهور، في وقت عصيب. وبحث الاجتماع كذلك الحاجة إلى توحيد المصطلحات الخاصة بإنفلونزا الطيور وجائحة الإنفلونزا وأوصافها.
وشملت التوصيات الأساسية التي تمخض عنها الاجتماع، التأكيد على الحاجة إلى وضع قائمة أولويات خاصة بالموضوعات التي يتطلَّب الأمر إعداد رسائل إعلامية لها، إلى جانب الحاجة إلى إعداد قوائم تفقُّدية لمساعدة البلدان في التخطيط لأنشطة الاتصالات بها. كما أقرَّت الحلقة العملية مسرداً لمصطلحات إنفلونزا الطيور وجائحة الإنفلونزا. واتُّفق في الحلقة على أنه بالرغم من تحقيق قدر كبير من التقدُّم في هذا الاجتماع، إلا أنه لايزال هناك الكثير من العمل المطلوب إنجازه من أجل تحقيق الاجتماع لأهدافه، ومن بين ذلك مساعدة البلدان في التخطيط لهذا الأمر. وأوصت الحلقة، في هذا الإطار، بتشكيل مجموعة استشارية معنيَّة ببث المعلومات، تكون مسؤولة عن أنشطة المتابعة المرحلية لهذه التوصيات والمضي قدماً بها. وقد ذكرت السيدة دنيس كارتـر تايلور، التي تـرأست هذه الجلسة من الحلقة (( أن الحلقة العملية الخاصة ببث المعلومات والتسميات، والتوصيات التي صدرت عنها، تُعدُّ إسهاماً جيداً لمساعدة البلدان على ضمان بقاء الاتصالات عنصراً هاماً في إطار تخطيط الاستعداد لمواجهة الإنفلونزا البشرية وإنفلونزا الطيور )).
اليوم العالمي لمكافحة السل
يقترب موعد اليوم العالمي للسل هذا العام (24 آذار/مارس 2007) حاملاً معه المزيد من التحديات على الصعيدين العالمي والإقليمي في ظل بقاء هذا المرض القاتل الأول للبالغين بين جميع الأمراض السارية (المعدية).
يحصد مرض السل أرواح مليونَيْ شخص كل عام على الصعيد العالمي يصل نصيب إقليم شرق المتوسط منهم مئة وأحد عشر ألف وفاة من الممكن تماماً تجنُّب وقوعها بمداخلات وقائية وعلاجية متاحة ومحتملة التكلفة، كما يقدَّر أن حوالي 560 ألف شخص يصابون بالسل كل عام في هذا الإقليم.
ويظل ضعف الاكتشاف المبكر لحالات الإصابة المشكلة الرئيسية في الإقليم إذ لا تتعدى نسبة اكتشاف حالات السل 44% مبتـعدة كثيراً عن الهدف العالمي الذي أعلن عام 2005 وهو اكتشاف 70% من الحالات. فلم تتمكن سوى سبع بلدان بالإقليم من الوصول إلى هذا الهدف. ويتناقض هذا الوضع مع نجاح تسعة بلدان هي أفغانستان والعراق والأردن والجمهورية العربية السورية و تونس، والصومال، وعُمان، ولبنان، والمغرب، في الوفاء بالهدف العالمي المتعلق بمعالجة 85% من الحالات المكتشفة، واقتراب سائر البلدان من تحقيق الهدف نفسه بمتوسط 83%.
وبالنظر الى مشكلة اكتشاف الحالات‘ فإن خمسة من بلدان الاقليم فقط هي التي تمكنت من تحقيق المعدل المستهدف للاكتشاف والمعالجة معاً .
(( ما ظهر السل في بلد إلا انتشر)) هذا الشعار اللافت اختارته منظمة الصحة العالمية وعرّبه المكتب الإقليمي لشرق المتوسط بمناسبة اليوم العالمي للسل لهذا العام ليدق أجراس الخطر ويذكّر بعدة حقائق كما يصحح مفاهيم خاطئة طالما تعلقت بالأذهان حول السل.
يقول الدكتور حسين الجزائري المدير الإقليمي لشرق المتوسط: (( السل ليس مرضاً من الماضي وهو ليس مشكلة الفقراء فحسب، واكتشاف المرضى بالسل ومعالجتهم أمران لا تقع مسؤوليتهما على عاتق وزارات الصحة وحدها. فظهور هذا المرض في بقعة ما يعني إمكانية ظهوره في أي مكان آخر ولن يكون بمقدور السلطات الصحية وحدها اكتشاف الحالات وتوفير الرعاية الصحية حتى لو ضاعفت جهودها مرتين أو ثلاثة أضعاف. وليس لنا إلا الشراكة التعاونية الفعَّالة والقوية بين كل الجهات، لنحصل على القوة اللازمة لبلوغ جمهور عريض مـمَّن يعنيهم الأمر، وللتغلُّب على التحدِّيات التي تواجهنا، ولوضع حد نهائي للمعاناة من السل في هذا الإقليم )).
ويتـركَّز 95% من عبء مرض السل في تسعة بلدان بالإقليم هي باكستان و أفغانستان والصومال والسودان والمغرب ومصر والعراق وجمهورية إيران الإسلامية واليمن. وهنالك بلدان مثل جيبوتي تُعَدُّ من البلدان ذات أعلى معدلات الإصابة بالسل في العالم.
وتـتعاظم التحدِّيات أمام برامج مكافحة السل من جرَّاء تفاقم وباء العوز المناعي البشري HIV المسبِّـب للإيدز واتِّساع انتشار السل المقاوم للأدوية المتعدِّدة ربما في شكل سلٍ شديد المقاومة للأدوية المتعدِّدة والعوامل المضادة وهو شكل غير قابل للشفاء.
وتشير مسوحات أجريت في بلدان مثل مصر والأردن ولبنان وعُمان والجمهورية العربية السورية وتونس واليمن إلى اكتشاف السل المقاوم للأدوية بين مختلف المستويات، وفي شتى الأماكن مما يضحد المفهوم الخاطئ بأن السل مرض الفقراء فحسب.
وفضلاً عن كونه مشكلة صحة عمومية بالغة الخطورة يمثِّل السل مشكلة تنموية هامة، فالمرض يصيب صغار البالغين حتى أن نسبة تـتـراوح بين 70% و80% من حالات الإصابة تحدث في الفئة العمرية من 15 إلى 54 عاماً. وهي الفئة الأعلى إنتاجية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي وأصحابها هم المسؤولون عن الإنفاق على ذويهم. ونظراً لأن الإصابة بالسل تعني سنوات طويلة من المرض وشهورٍ طويلة من العلاج (من 6 إلى 8 أشهر على الأقل)، فإن إنتاجية، ومن ثـَمَّ، دخول المصابين تـتأثـَّر سلباً، وقد يتعرَّضون لكوارث مالية من جرَّاء الإنفاق الصحي.
ويحدث ذلك على الرغم من توافر الرعاية لمرضى السل وامتدادها إلى كل بقعة في الإقليم من خلال استـراتيجية المعالجة القصيرة الأمد تحت الإشراف المباشر (DOTS) المطبقة في بلدان الإقليم منذ عشر سنوات، ونجاح هذه الاستـراتيجية في اكتشاف مليونَيْ حالة بين عامَيْ 1996 و2005 ومعالجتها بنجاح.
وحالياً تغطِّي هذه الاستـراتيجية 97% من سكان الإقليم. وتعمل المنظمة على توسيع نطاق الرعاية الصحية لمرضى السل من خلال تبنِّي استـراتيجية جديدة لدحر السل، وهي مجموعة شاملة من أنشطة الرعاية الصحية التي تعتـبر امتداداً لاستـراتيجية DOTS وتـتألَّف من ستة عناصر هي: مواصلة التوسُّع في تطبيق أنشطة استـراتيجية DOTS العالية الجودة، ومواجهة مشكلة السل المقاوم للأدوية المتعدِّدة ومشكلة الارتباط بين السل والإيدز، وتعزيز النُظُم الصحية، وإشراك كافة مقدِّمي الرعاية الصحية في جهود المكافحة، وتمكين مرضى السل ومجتمعاتهم، وكذلك تعزيز البحوث الصحية.
وقد حدَّدت منظمة الصحة العالمية أهداف استـراتيجية أخرى إضافةً إلى هدف اكتشاف 70% من الحالات المصابة ومعالجة 85% من الحالات المكتشفة بحلول عام 2010 ، وهذه الأهداف هي: خفض العبء الإقليمي لمرضى السل إلى نصف ما كان عليه في التسعينات بحلول عام 2015. وخفض حالات الإصابة إلى أقل من 1 لكل مليون نسمة بحلول عام 2050.
وفي إطار تفعيل اليوم العالمي لمكافحة السل تشارك منظمة الصحة العالمية في فعاليات المؤتمر العلمي السنوي الخامس للجمعية السعودية للأمراض الصدرية الذي يعقد بالتزامن مع الاجتماع الإقليمي السادس والعشرين للاتحاد الدولي ضد السل وأمراض الرئة، ومنتدى التطورات الحديثة في مجال الرعاية التنفسية، وذلك فـي المـدة مـن 20 إلـى 22 آذار/مارس 2007 بالعاصمة السعودية الرياض.
ولن يقتصر نشاط منظمة الصحة العالمية خلال دعمها لبرامج مكافحة السل في دول الإقليم على ....... اليوم العالمي، بل إن نشاطها يمتد ليشمل العام كله واضعةً نصب عينيها أن الهدف الأساسي هو اكتشاف المزيد من حالات المرض لتقديم العلاج المناسب لها، وهذا هو الطريق الذي يوصِّلنا إلى تحقيق الأهداف العالمية.
أسلوب جديد للتعامل مع مشكلة سوء التغذية
أثبت أسلوب علاجي جديد تقدُّمـاً في التصـدِّي لسـوء التغذية الحـاد الوخيـم الذي يعاني منـه مـا يقدَّر بحوالي 20 مليون طفل دون الخامسة من العمر. ويجمع هذا الأسلوب بين الرعاية المجتمعية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الوخيم وبين المعالجة التقليدية في المستشفيات.
وقد ألقي بيان أصدرته منظمة الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي ولجنة التغذية التابعة للأمم المتحدة ومنظمة اليونيسف الضوء على إثباتات جديدة تبين أن ثلاثة أرباع الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الوخيم - ويتمتَّعون بشهية جيدة ولا يعانون من مضاعفات طبية - يمكن معالجتهم في المنزل باستخدام أغذية علاجية عالية القيمة وجاهزة للاستخدام.
ويتعلق الأمر بتـركيبة من مغذِّيات مقبولة الطعم رخوة وقابلة للمضغ وأطعمة غنية بالطاقة يمكن للأطفال فوق عمر ستة أشهر تناولها دون إضافة الماء إليها مما يقلص خطر الإصابة بالعدوى البكتيرية. وتوفر هذه التـركيبة المغذِّيات اللازمة لمعالجة الأطفال في المنازل التي لا يوجد بها أجهزة تبريد وحتى في الأماكن التي لا تـتوافر فيها شروط النظافة التامة. والتقنية المستخدمة في إنتاج هذه التـركيبة من المغذِّيات والأغذية بسيطة نسبياً ويمكن استخدامها في كافة البلدان التي تعاني من مستويات مرتفعة من سوء التغذية الحاد الوخيم.
لطالما كانت الاستجابة التقليدية لمرضى سوء التغذية الحاد الوخيم هي إحالة الأطفال إلى المستشفيات أو احتجازهم في الوحدات المتخصِّصة حيث يـتم تطبيق أنظمة غذائية تعتمد أساساً على اللبن. وعلى الرغم من فعالية هذه المعالجة فربما كان من الصعب على أسر المرضى أن تصل بسهولة إلى المنشآت الصحية التي يمكنها توفير هذه المعالجة ولاسيَّما في البلدان الشديدة الفقر حيث يعيش معظم الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم.
كما أن المعالجة التي تـتطلَّب إقامـة المرضى داخـل المنشـآت الصحيـة قـد لا تكون خيـاراً مناسبـاً للأهالي الذيـن لا يستطيعون تـرك منازلهم لعدة أسابيع. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم شديدو التعرُّض لأشكال العدوى المختلفة من جراء ضعف مناعتهم ومن ثـَمَّ فإن احتجازهم في المستشفيات المزدحمة بالمرضى يعرِّضهم للخطر.
ويمكن للعناية المجتمعية بمرضى سوء التغذية الحاد الوخيم أن تمنع وقوع مئات الآلاف من الوفيات بين الأطفال كل عام، إذا ما تم تطبيقها على نطاق واسع والجمع بينها وبين المعالجة في المستشفيات للأطفال الذين يعانون من مضاعفات.
لقد أدَّت هذه المقاربة بالفعل إلى تحسُّن كبير في معدلات البقاء على قيد الحياة بين الأطفال المصابين بهذا المرض في بلدان تعاني من الطوارئ الصحية مثل إثيوبيا ومالاوي والنيجر والسودان. والهدف الآن هو التوسُّع في تطبيق هذه المقاربة للوصول إلى أعداد أكبر من الأطفال المصابين الذين يعيشون في بلدان لا تعاني من الطوارئ.
ويقتل سوء التغذية الحاد الوخيم ما لا يقل عن مليون طفل سنوياً – أي بمتوسط طفـل واحـد كل ثلاثـين ثانيـة. وتـزيد احتمالات تعرُّض هؤلاء الأطفال للوفاة عشرين ضعفاً عن الأطفال الذين يتمتعون بتغذية جيدة.
وتعلِّق الدكتورة مرغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية قائلة: (( هنالك عشرون مليون طفل دون الخامسة من العمر من الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم يحتاجون بشدة للمعالجة )) وتضيف: (( إنه لأمر عاجل أن تضاف هذه المقاربة، جنباً إلى جنب مع العمل الوقائي – إلى قائمة التدخلات ذات المردود الاقتصادي المستخدمة لتحسين التغذية وتقليص وفيات الأطفال )).
مؤكِّدةً على أهمية اشتـراك وكالات الأمم المتحدة الثلاث في هذا الجهد، قالت جوزيت شيران، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي (( مع هذه المقاربة الجديدة، لدينا التـركيبة الصحيحة لإنقاذ الملايـين من الأرواح الصغيرة – وهذا مثال للتكنولوجيا الجديدة والقدرة اللتين تجعلانا أقرب إلى تحقيق أول مرمى من المرامي التنموية للألفية )).
وبمقدور هذا الأسلوب القائم على المشاركة المجتمعية أن يقرب الخدمات الصحية من بيوت الناس حتى تـتمكَّن الأسر من اكتشاف إصابة أطفالها بسوء التغذية الحاد الوخيم قبل أن تظهر المضاعفات المهدِّدة للحياة. ويقوم بمعالجة الأطفال عاملون صحيون باستخدام أدوية أساسية تؤخذ عن طريق الفم مع تـزويد الأطفال بإمدادات من تـركيبة الأغذية والمغذِّيات. وفي الوقت نفسه يتعلَّم الأبوان كيف يساعدان الأطفال المصابين ويلفتان النظر إلى علامات الخطر.
وتقول آن فينمان، المديرة التنفيذية لليونيسف: (( لقد أثبتـت الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام فعاليتها العالية في التصدِّي لمرض سوء التغذية الحاد الوخيم بين الأطفال، الذي يلعب دوراً في حوالي 53% من وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر، لهذا فإن هذه التدخلات الجديدة هي أداة هامة لخفض وفيات الأطفال )).
ويؤكِّد البيان المشتـرك على أهمية بعض الإجراءات بما فيها تغذية الرضَّع والأطفال الصغار، وضمان توافر الأغذية الجيدة، ونُظُم الإصحاح المحسَّنة والممارسات الخاصة بالنظافة الشخصية وتعزيز فرص الوصول إلى الخدمات الصحية.
اللوائح الصحية الدولية تدخل حيِّز التنفيذ
دخلت اللوائح الصحية الدولية المعدَّلة في حيِّز التنفيذ اعتباراً من الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007. وهذه اللوائح هي مجموعة جديدة من القواعد والإجراءات التي وافقت عليها 193 دولة ومن شأنها أن تساعد في جعل العالم أكثر أمناً من التهديدات المحدقة بالصحة الكَوْنية.
لقد حظيت هذه اللوائح بموافقة جمعية الصحة العالمية عام 2005 وهي تمثـِّل خطوة كبرى إلى الأمام فيما يتعلَّق بتأمين الصحة العمومية على الصعيد الدولي.
وتـرسي اللوائح إطار عمل متفق عليه للالتـزامات والمسؤوليات من جانب البلدان ومنظمة الصحة العالمية للاستثمار في مجال الحد من انتشار الأوبئة وسائر الطوارئ الصحية فيما تحد أيضاً من القيود على السفر والتجارة والاقتصاديات. وفي ظل اللوائح الدولية الصحية المعدَّلة، ستكون البلدان مطالبة بالإبلاغ عن كافة الأحداث التي قد تفضي إلى طوارئ صحية تثير قلقاً دولياً بما في ذلك الطوارئ التي تنجم عن العوامل الكيماوية والمواد المشعة والأغذية الملوثة.
لقد أوجدت الضغوط الديموغرافية والاقتصادية والبيئية التي شهدها مطلع القرن الواحد والعشرين تـركيبة فريدة من الظروف التي تسمح بانتشار الأمراض المعدية الجديدة أو المنبعثة من مرقدها، انتشاراً غير مسبوق.
وتظهر التجارب التي شهدتها العقود الأخيرة أنه ما من بلد بمفرده يمكن أن يحمي نفسه من الأمراض وسائر التهديدات الصحية. فكل البلدان عرضة لانتشار العوامل المسبِّبة للمرض وعواقبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وقد كشف انبعاث مرض السارس في عام 2003 على نحو غير مسبوق إلى أي مدى أصبح العالم مرتبط بعضه بـبعض وبأي سرعة يمكن للمرض أن ينتشر. وأوجد هذا التشارك في القابلية للتعرُّض للمرض احتياجاً لأساليب دفاعية جماعية ومسؤولية مشتـركة في نجاح هذه الأساليب الدفاعية. وهذا هو جوهر اللوائح الصحية الدولية.
وقالت الدكتورة مرغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية (( كان مرض السارس بمثابة نفير الإيقاظ لنا جميعاً. انتشر المرض أسرع مما تنبأنا ولم يتم احتواؤه إلا من خلال التعاون المكثـَّف بين البلدان مما أوقف هذا المرض عن كسب موطئ قدم بين البشر )) وأضافت المديرة العامة (( واليوم، يتمثـَّل التهديد الأكبر للأمن الصحي الدولي في اندلاع وباء بشري من إنفلونزا الطيور .. الخطر لم يتـراجع ولكن تطبيق اللوائح الصحية الدولية يمكن أن يجعل العالم أفضل استعداداً، لاحتمال اندلاع الوباء )).
وتبني اللوائح على الخبرة المكتسبة من تجربة السارس وغيرها من الجهود التي بذلتها منظمة الصحة العالمية وشركاؤها للتصدِّي لفاشيات الأمراض واحتوائها. وتظهر التجارب الأخيرة أن التعامل مع التهديدات الصحية من منبعها هي الطريقة الأكثر فعالية للحد من قدرة هذه الأمراض على الانتشار على نطاق دولي. وستساعد اللوائح على تأمين اكتشاف الفاشيات وسائر الطوارئ الصحية ذات الطابع الدولي وتقصِّيها بسرعة أكبر وضمان اتخاذ تحرك دولي جماعي لمساعدة البلدان المتضرِّرة على احتواء الطارئة الصحية ومنع انتشارها وإنقاذ الأرواح.
لقد قامت منظمة الصحة العالمية بالفعل بتطوير نظام محسّن لإدارة الطوارئ الصحية المحتملة. كما أنشأت مراكز عمليات استـراتيجية في مقرَّها الرئيسي بجنيف وفي مكاتبها الإقليمية حول العالم، وهي متاحة على مدار الساعة للتعامل مع حالات الطوارئ. كما أن المنظمة تعمل مع شركائها على تعزيز الشبكة الدولية للتأهُّب للفاشيات والتصدِّي لها، وهي تضم خبراء من مختلف مناطق العالم للتصدِّي لفاشيات الأمراض.
وقال الدكتور ديفيد هيمان، مساعد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة الأمراض السارية (( إن تطبيق اللوائح الصحية الدولية مسؤولية جماعية ويعتمد على قدرة كل البلدان على الوفاء بالمتطلَّبات الجديدة. وستساعد منظمة الصحة العالمية البلدان على تقوية قدراتها اللازمة لتحقيق التطبيق الكامل للوائح. وأضاف (( هذه مسؤوليتنا ونتوقَّع من المجتمع الدولي بأكمله أن يلتـزم بالهدف نفسه الرامي إلى تحسين الأمن الصحي الدولي )).
اختبار النظام العالمي:
أجرت منظمة الصحة العالمية يوم الجمعة الماضي، أول تمرين لاختبار درجة استعدادها في ظل بنود اللوائح الصحية الدولية المعدَّلة. سيقيس الاختبار الإجراءات الجديدة لتلقِّي المعلومات حول احتمال نشوب طوارئ صحية وتحليل هذه المعلومات والاستجابة لها. كما ستختبر التوجُّه السياسي والتعاون وإدارة المعلومات والقدرة على تقيـيم الخطر وإجراء الاتصالات بين المكاتب الإقليمية ومكاتب البلدان والمقر الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية.
وهذا التمرين هو الأول في سلسلة يقصد بها اختبار الآليات داخل البلدان الأعضاء وفيما بينها وعلى مختلف المستويات في منظمة الصحة العالمية.