اجتماع إقليمي حول الأخلاقيات الصحية
الأخلاقيات الصحية مصطلح ليس بالجديد لكنه أخذ يتـرسَّخ حديثاً في أدبيات العمل الصحي في الإقليم بعد فتـرة طويلة من التجاهل للقضايا التي يمثِّلها هذا المصطلح في المجالات المختلفة المتعلقة بالصحة.
ومع تنامي التوجُّهات الحديثة مثل العولمة والرقمنة (digitalization) شهدت العلوم الطبية والصحية ثورة هائلة، كان لها تأثير كبير على صحة الناس ورفاهيتهم. ولكنها حملت في الوقت نفسه تحدِّيات أخلاقية أثارت من المخاوف بقدر ما أثارت من الجدل.
لقد شهدت العقود الأخيرة الماضية تطورات تكنولوجية فائقة التطوُّر مثل اندماج الهندسة مع (( النانو تكنولوجي ))، والجينوم البشري، وطب الخلايا الجذعية، وتأثير العوامل الجينية ودور العوامل البيئية والاجتماعية – الاقتصادية والسلوكية كمحدِّدات للصحة. غير أن هذه التطوُّرات لم يتواكب معها تطوُّر على صعيد البحوث المتعلقة بالأخلاقيات، ولاسيَّما في البلدان التي تفتقر إلى الموارد، ومن بينها بلدان هذا الإقليم.
وقد تصدَّى المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط لهذه التحدِّيات الأخلاقية بإعداد ميثاق الأخلاقيات الإسلامية في الطب والصحة بالتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية المعنية، كما ساهم في بناء القدرات في مجالات البحوث العلمية، وعزَّز من الأخلاقيات الطبية والبيولوجية فيها، كما كان لمنظمة الأمم المتحدة للتـربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) جهود حثيثة في هذا المجال كان من بينها إنشاء اللجنة الدولية للأخلاقيات واللجنة العالمية لأخلاقيات المعارف العلمية والتكنولوجية، وأوصت الدول الأعضاء بتشجيع إنشاء لجان وطنية منوطة بمعالجة جميع القضايا المتعلقة بالأخلاقيات.
وستلتقي هذه اللجان في مقر المكتب الإقليمي في المدة من 5 إلى 7 أيار/مايو 2007 في إطار اجتماع إقليمي ينظِّمه كل من مكتب اليونسكو الإقليمي للدول العربية والمكتب الإقليمي لشرق المتوسط، حيث يتبادل المشاركون خبراتهم في مجال معالجة القضايا الأخلاقية والاجتماعية والقانونية وصياغة المبادئ الإرشادية، كما يعملون على دعم البلدان الأعضاء في المنظمتَيْن – التي لم تنشئ بعد لجاناً وطنية للأخلاقيات – لإنشاء لجان مماثلة.
وسيفتـتح الاجتماع ممثلين عن وزيرا التعليم العالي والصحة والسكان بمصر، ومدير مكتب اليونسكو بالقاهرة مع الدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لشرق المتوسط.
(( الأخلاقيات والمجتمع الدولي... أين نحن؟ )) هو الجلسة الأولى للاجتماع، ويستعرض برامج الأخلاقيات التي تطبقها كل من منظمة الصحة العالمية واليونسكو واللجنة الدولية للأخلاقيات، يعقبها جلسة حول أنشطة المنظمات الدولية في مجال الأخلاقيات تتضمَّن عروضاً تقنية لمنظمات (( أليسكو )) و(( إيسيسكو )) ومجلس التعاون الخليجي.
(( القضايا ذات الأولوية في مجال الأخلاقيات )) محور آخر في هذا الاجتماع. ويتضمَّن قضايا مثل (( أخلاقيات إجراء البحوث على الأجنة البشرية ))، و(( البنوك الطبية ))، والقضايا الأخلاقية المتعلقة بالتخطيط والتصدِّي لوباء الإنفلونزا.
تُعنى الأخلاقيات الطبية بالقضايا الأخلاقية التي تثار عند تناول العلاقات بين علوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية والطب والسياسة والقانون والفلسفة والبيئة. ومن ثـَمَّ فللأخلاقيات الطبية منظور متكامل يتضمَّن صحة البشر وحياتهم، وكذلك صحة الحيوان والنبات وكافة الكائنات. ولابد للأخلاقيات الطبية أن تصاغ بشكل يتواءم مع ثقافة كل مجتمع وعاداته. وفي هذا يقول الدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لشرق المتوسط:
(( قد يكون باستطاعتنا استخدام التكنولوجيا المستوردة والأدوية وسائر المنتجات التي تقدِّمها لنا البلدان المتقدِّمة، إلا أن المعايـير الأخلاقية وتطبيقاتها تحتاج لأن يتم تشكيلها وصياغتها وفقاً لثقافة كل مجتمع وعاداته، فعلى سبيل المثال قد لا تكون بنية نظام مراجعة الأخلاقيات في البلدان الغربية قابل للتطبيق في العديد من البلدان الأخرى )).
إنجاز كبير في العراق
في إنجاز هام حقَّقه القطاع الصحي العراقي مؤخراً بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تم افتـتاح المركز الوطني لبحوث وضمان جودة الأدوية الذي أعيد إعماره وتأهيله بعد سنوات من التوقف عن العمل إثر تعرُّضه للتدمير والنهب أثناء النزاع المسلح في عام 2003.
بدأت عملية إعادة الإعمار – التي تكلَّفت حوالي 6 ملايـين دولار - في آب/أغسطس 2004، باستجابة من منظمـة الصحـة العالمية لطلب وزارة الصحـة العراقيـة في ذلك الحين، وتواصلت حتى اكتمل العمل وتم افتـتاحه هذا الأسبوع في صورته المتطورة. ويمثـِّل تشغيل هـذه المنشـأة الصحية التي تخـدم 27 مليون مواطن أمراً حيوياً لتحسين جودة الأدوية، ومن ثـَمَّ تحسين الوضع الصحي لسكان العراق. ويمكن إدراك أهمية هذه المنشأة إذا علمنا أنها المرفق القانوني الوحيد المتاح لتحليل المنتجات الصيدلانية سواء المستوردة من الخارج أو المصنَّعة محلياً، واعتماد صلاحيتها ومأمونيتها للاستخدام الطبي في العراق.
وكما هو معلوم، فقد أصبحت جودة المنتجات الصيدلانية مثار قلق عالمي في السنوات الأخيرة، فالتقارير الحديثة تشير إلى أن انتشار الأدوية الرديئة الصنع والمغشوشة قد بات يمثِّل نسبة مثيرة للقلق في الكثير من البلدان، ولاسيَّما البلدان التي تعرَّضت سلطاتها المنظِمة لصناعة الأدوية للإنهاك بسبب الدمار الناجم عن الكوارث الطبيعية، أو التي هي من صنع الإنسان.
ويمكن أن يؤدي الافتقار لنظم موثوق بها لضمان جودة الأدوية، وما ينجم عن ذلك من تداول أدوية رديئة الصنع – إلى عواقب صحية وخيمة من بينها فشل المعالجة، والآثار العكسية، وزيادة معدلات المرض والوفاة، وتطور المقاومة للأدوية وإهدار الموارد.
وقد وضعت السلطات الصحية هذه المخاطر نصب أعينها واتخذت قراراً استـراتيجياً بتقليص أثر استخدام الأدوية المقلَّدة. وعملت في هذا الشأن عن كثب مع منظمة الصحة العالمية على مدى عامَيْن لإعادة تأسيس المركز الوطني لضمان جودة الأدوية، مستعينة في هذا بتمويل من الاتحاد الأوروبي. وحظيَ المشروع بإشراف دوري من الفريق الدولي التابع لمنظمة الصحة العالمية برئاسة الدكتورة نعيمة القصير، ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق. وتـتابعت الزيارات إلى الموقع، وكان آخرها الزيارة التي تمت في نيسان/إبريل الماضي للاطمئنان على اكتمال العمل قبل الافتـتاح الذي تم الأسبوع الماضي. وتم ذلك من خلال تجديد المباني الرئيسية للمركز وتوسيعها وتجهيزها بالمعدات الحديثة. وكذلك تطوير برامج تدريب ملائمة لتطبيق المناهج والتقنيات الحديثة والاستعانة بالدلائل الإرشادية المطورة لضمان جودة الأدوية وإدارة المعامل.
ويمثِّل الحصول على أدوية مأمونة وفي متناول القدرات المالية للمواطنين حق أساسي من حقوق الإنسان. ولعل الخدمات التي أصبح المركز يقدِّمها بالفعل بعد إعادة إعماره تسهم في تأصيل هذا الحق. وقد ازداد عدد العيِّنات التي يتم فحصها في المركز بين عامَيْ 2003 ونهاية 2006 نحو ثلاثة أضعاف (من 400 28 حالة إلى 90 ألف حالة) كما تقلص عدد العينات التي لم يكن باستطاعـة المركز التعامـل معها بسبب نقص المعدات من 156 حالة عام 2003 إلى 80 حالة فقط عام 2006.
كما أدى تجهيز المركز بالمعدات الاتصالية إلى زيادة ما يوفره المركز من فرص الحصول على الوثائق الحديثة والبيانات الخاصة بإجراءات ضمان جودة الأدوية عبر شبكة الإنتـرنت بما في ذلك الدخول على مواقع منظمة الصحة العالمية وسائر المواقع الإلكتـرونية المتخصِّصة.
وتعرب منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية عن الامتنان للاتحاد الأوروبي لإسهامه في تحقيق هذا الإنجاز الهام. ومن المأمول أن تكون هذه خطوة أولى نحو مزيد من التطوير في مجال ضمان جودة الأدوية لصالح الشعب العراقي.
اليوم العالمي للامتناع عن التبغ لا للتدخين في الأماكن المغلقة
(( أيها المدخن .. عليك الامتناع عن التدخين. ولكن إن كنت ولابد فاعلاً فلتمتنع – على الأقل – عن التدخين في الأماكن المغلقة حتى لا تحمل وزر مقتل مئتي ألف عامل غير مدخن كل عام وغيرهم كثيرين )).
هكذا يقول لسان حال التقرير الذي ستصدره منظمة الصحة العالمية هذا الشهر بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التبغ (31 آيار/مايو) رافعة شعار (( لا للتدخين في الأماكن المغلقة )).
أما لماذا الأماكن المغلقة تحديداً؟ فهذا سؤال يسهب التقرير في الإجابة عنه مستعيناً بالأرقام والبيانات حيناً، وبالمعلومات التي تنفي الإدعاءات التي يحلو لبعض المدخنين ولشركات التبغ التـرويج لها حيناً آخر، وكذلك بشرح أوضاع التدخين في بلدان العالم المختلفة وتوضيح الأخطار الصحية التي تنجم عن التدخين في الأماكن المغلقة وما يعرف بدخان التبغ المنبعث في البيئة أو دخان التبغ السلبي.
ولكن ما هو دخان التبغ السلبي؟ يُعرف التقرير دخان التبغ السلبي بأنه الدخان المنبعث من منتجات التبغ المحتـرقة في أفواه المدخنين وتُسمى هذه الظاهرة في أوساط صناعة التبغ بدخان التبغ المنبعث في البيئة وعند انبعاث هذا الدخان في الهواء ولاسيَّما في الأماكن المغلقة يستنشقه جميع الموجودين مما يعرض المدخنين وغير المدخنين على السواء إلى آثاره الضارة وهي آثار تتخطى مجرد المضايقة كما تدعي صناعة التبغ إلى الأخطار الحقيقية على الصحة.
(( وحدها البيئة الخالية من الدخان بنسبة مئة بالمئة هي التي تحمي الصحة والحياة )) حقيقة لا تـتوانى المنظمة عن تأكيدها في مواقع مختلفة من التقرير نافية بذلك أي مجال للإدعاء بإمكانية تواجد المدخن وغير المدخن في مكان واحد بسلام أي دون أن يصاب كلاهما بالأضرار الفادحة التي يسببها دخان التبغ. ونافية أيضاً الإدعاء الثالث لشركات التبغ بأن نظم التهوية كفيلة بتنقية أجواء المكان المغلق والقضاء على آثار الدخان فيه. فالحقيقة كما يؤكِّد التقرير أن نُظُم التهوية فضلاً عن كونها باهظة التكلفة فهي لا توفر حماية تامة لغير المدخنين من التعرُّض لدخان السجائر وسائر منتجات التبغ.
حقيقة بديهية أخرى تـرد بالتقرير مؤدَّاها أن كل فرد من حقه أن يتنفس هواء نظيفاً خالياً من الدخان. وإذا كان المدخنون قد تنازلوا طوعاً عن حقهم في هواء نظيف فليس من حقهم أن يحرموا غير المدخنين – وهم الغالبية العظمى من سكان العالم – من هذا الحق.
بل إن الأماكن المغلقة الخالية تماماً من الدخان تهيئ لغير المدخن الذي يرغب في الإقلاع عن التدخين فرصة جيدة وحافزاً قوياً للإقلاع عن التدخين أو التخفيف منه.
من الحقائق المؤسفة التي يسوقها التقرير أن نصف أطفال العالم أي حوالي 700 مليون طفل يتعرَّضون دون حول منهم أو قوة للدخان السلبي ويعانون من الويلات التي يجرها عليهم. يتم ذلك داخل بيوتهم حيث يفتـرض وجود أحرص الناس على صحة أطفالهم وهم الأبوان. وعلى سبيل المثال تـتفاقم حالة مليون طفل مصاب بالربو في الولايات المتحدة وحدها بسبب التعرُّض لدخان التبغ السلبي.
وتشمل أشكال المعاناة للأطفال وسائر المدخنين السلبيـِّين استنشاق نحو 4000 مادة كيماوية منها 50 مادة معروف عنها أنها مسبِّبة للسرطان لدى الإنسان. وبالإضافة إلى ذلك يؤدي دخان التبغ السلبي إلى إصابة الأطفال والبالغين بالأمراض القلبية الوعائية، والعديد من أمراض الجهاز التنفسي مما يؤدي إلى الوفاة. وقد قدَّرت منظمة العمل الدولية وفيات العاملين من جراء التعرُّض لدخان التبغ السلبي في أماكن العمل بنحو 200 ألف عامل سنوياً. وقس على هذا سائر الأماكن المغلقة التي تتشبع بدخان التبغ مثل المطاعم والحانات والمقاهي وغيرها.
ولا تقتصر أضرار دخان التبغ السلبي على عبء المرض، وإنما تمتد إلى العبء الاقتصادي. ففضلاً عن التكاليف الطبية المباشرة وغير المباشرة، فإنه يتسبَّب في خسائر في الإنتاجية، وتفاقم خطر الحرائق وغيرها.
وتـتكبَّد منطقة محدودة جغرافياً مثل المنطقة الإدارية في هونج كونج نحو 156 مليون دولار أمريكي هي القيمة السنوية للعبء الاقتصادي الناجم عن التدخين السلبي. وتـرتفع هذه القيمة إلى عشرة مليارات دولار في الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا في الوقت الذي يثبت فيه التقرير أنه لا صحة للإدعاء بأن حظر التدخين في المطاعم والمقاهي وقطاع الضيافة والفندقة بصفة عامة يؤدي إلى أضرار اقتصادية سلبية على هذا القطاع.
ويصحِّح التقرير الإدعاء الأخير القائل بأن مفهوم الأماكن الخالية من الدخان لا يمكن أن يكتب له النجاح، مؤكدة أنه قد نجح بالفعل في بلدان مثل أيرلندا، ونيوزيلاندا والنرويج وولايات كاملة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. ويمكن أن ينجح في أي بلد يطبق سياسة الخلو من الدخان.
توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن دخان التبغ السلبي:
بعد أن حسم الجدل حول الآثار الوخيمة للتدخين السلبي توصي منظمة الصحة العالمية بما يلي:
(1) توفير البيئة الخالية من الدخان بنسبة 100% باعتبارها الاستـراتيجية الوحيدة الفعَّالة لتقليص التعرُّض لدخان التبغ في الأماكن المغلقة؛
(2) إصدار تشريعات تلزم أماكن العمل المغلقة والأماكن العامة بأن تكون خالية تماماً من الدخان؛
(3) تطبيق وإنفاذ القانون؛
(4) تطبيق استـراتيجيات تثقيفية لمحاصرة التدخين السلبي في الأماكن المغلقة ولاسيَّما داخل المنازل